اخبار السعودية الان التعليم في مواجهة التطرف

0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

آخر تحديث: الأربعاء 19 رمضان 1438هـ - 14 يونيو 2017م KSA 03:48 - GMT 00:48

أثناء مهمة كلفت بها من قبل البرلمان العربي لمراقبة الانتخابات في جزر القمر، كانت الانتخابات في المدارس، وفي أحد الفصول قرأت على السبورة ما يلي: ما هو حكم من يؤخر الصلاة عن وقتها من غير عذر؟ وكان الجواب هو أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل، ثم أرفق ذلك بآية من القرآن الكريم ليس لها علاقة بمن يؤخر الصلاة، لكن ذلك الفقيه أراد أن يعزز رأيه بآية يجعل منها الدليل المقنع على صحة ما يقول، وليس هذا سوى مثال على عشرات الأحكام التي تطلق على المخالف وتعزز بآيات أو أحاديث اجتزأت من سياقها ومن ظروف وأسباب نزولها، متناسين تأثير الزمان والمكان وأسباب النزول.

الحادث الثاني ورد في جريدة الحياة بتاريخ 29 مايو من هذا العام في عددها 19778 وهو وجود اغتيالات ممنهجة في عدن ضد ناشطين مدنيين متهمين بالإلحاد حيث اغتيل أمجد عبدالرحمن (24 عاماً) ومنعت الصلاة عليه أو دفنه في مقبرة الحي بدعوى أنه ملحد، وقد اغتيل في مقهى من قبل ملثم، وقد سبق أن استجوب من قبل قوات الحزام الأمني التابعة للشيخ السلفي هاني بن بريك (أبو الحارث) والتي تقوم بخرق الحقوق المدنية وتعمل كشرطة دينية.

مركز الاعتدال لمحاربة الفكر المتطرف يحتاج إلى أن يبحث عن جذور الإرهاب وأسباب الغلو والتطرف ثم يشرع في حلها مبتدئاً بالتعليم في كل مراحله ففيه الداء والدواء..
هذه الحوادث ومثلها ما حصل في مصر ضد الأقباط من قتل للنساء والأطفال، وما حصل في بريطانيا في مدينة مانشستر من قتل شباب مسالمين من قبل شخص عاش بينهم ولجأ والده إلى بريطانيا هرباً من مطاردة نظام القذافي، فأمنت له الحكومة البريطانية الغذاء والعلاج والسكن، وحتى المسجد الذي يؤدي فيه صلواته الخمس فإن الحكومة ملزمة بتأمين كل مستلزماته وصيانته بنص نظامها العلماني الذي يكفل حريّة الأديان ويلزم الحكومة بتأمين أماكن العبادة لمختلف الأديان، كل ذلك وغيره يجعلنا على يقين أن في تراثنا ما يحرض على كره المختلف في الدين أو المذهب، وسهولة إهدار دم المخالف والحكم بقتله دون محاكمة. كل ذلك يحتم إصلاح الخطاب الديني على أسس علمية تخرج المجتمعات الإسلامية من عقلية التزمت والغلو والانغلاق والكره والتكفير إلى رحاب الحرية والوسطية والتسامح والتعايش مع الآخر، لتصب في النهاية في مصلحة الإسلام وانتشاره وحماية الأقليات المسلمة في دول الغرب، وحفظ حقوق الأقليات غير المسلمة في ديار المسلمين، ولعل مركز الاعتدال الذي أنشئ حديثاً يتخذ قرارات شجاعة تقطع الطريق على التطرف ومن ذلك ما يأتي:

أولاً. التعليم هو الأساس لبناء جيل مختلف، جيل يؤمن بالتعايش والسلام والوسطية، وهذا لن يتم إلا بوضع مناهج تتناسب والعصر الحاضر، وحذف كل ما لا يتناسب والتعايش مع الآخر، أو قد يفسر من المنهج الخفي بما يتناسب وتوجهات أصحاب الفكر المؤدلج والإسلام السياسي الذي لا يهدف إلى مصلحة الوطن، بل هدفه الوصول إلى السلطة. يجب أن تركز المناهج على تنمية التفكير الناقد وإعمال العقل، وجعل حب الوطن وأمنه فوق أي ولاء. إنني على يقين أن تأصيل الوسطية في مناهج المدارس والجامعات هو البداية الصحيحة لمحاربة الغلو على مستوى العالم الإسلامي.

ثانياً. الفقهاء عبروا عن آراء واجتهادات كانت نتيجة ما رأوا وعاشوا في عصرهم، ولكل عصر فقهاؤه وعلماؤه، وهذا يحتم أن يقوم علماء فهموا التراث وملابساته وعاشوا الحاضر وتحدياته واستشرفوا المستقبل ومتطلباته ومن مختلف المدارس الإسلامية بتنقيح التراث وشرحه على ضوء ما يتناسب والوضع الحاضر، فعلى سبيل المثال أصبح مفهوم الجهاد في ظل وجود وزارة الدفاع يختلف عن الماضي، وقس على ذلك الكثير من المستجدات التي تتطلب فتح باب الاجتهاد، فالطاعة العمياء لأقوال القدماء فيها تقييد للعقل وإهدار لقدرته على التحليل والإستنتاج، ولو كان القدماء المجتهدون بيننا اليوم لاختلفت أقوالهم بما يناسب العصر ومتطلباته. ولذا كانت السور المكية في محتواها غير المدنية لاختلاف أوقاتها وظروفها، أما التاريخ الإسلامي وغيره فهو من صنع البشر ووليد عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية تتناسب ووقت حدوثها، فيجب أن نأخذ منها العبر وأن نخضعها لدراسة علمية بعيداً عن العاطفة.

مركز الاعتدال لمحاربة الفكر المتطرف يحتاج إلى أن يبحث عن جذور الإرهاب وأسباب الغلو والتطرف ثم يشرع في حلها مبتدئاً بالتعليم في كل مراحله ففيه الداء والدواء لما يعانيه العالم الإسلامي من تخلف وتطرف وإرهاب، أما إلقاء اللوم على قوى خارجية فليس سوى هروب من البحث الجاد عن حل دائم وعلمي لمشكلة خطيرة تهدد أمن الوطن وتحاصر الدين وانتشاره وتضيق على الأقليات المسلمة في أوربا وغيرها.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

أخبار ذات صلة

0 تعليق