اخبار السعودية الان حماية حياتنا

0 تعليق 9 ارسل لصديق نسخة للطباعة

آخر تحديث: السبت 22 رمضان 1438هـ - 17 يونيو 2017م KSA 03:13 - GMT 00:13

يدرس الأطباء أثر التقنيات الحديثة ومواقع التواصل أو «التفاصل» كما تثبت الأيام على الدماغ والجهاز العصبي، على الخلايا، وعلى فقرات العنق، ومفاصل الأصابع التي تنذر أن أجيالاً ستأتي سيكون الانحناء في أعناقها وظهورها تطور بيولوجي محتوم.

يدرسون كل ذلك، ولكن ما تحتاج البشرية إلى درسه هو التأثيرات الأعمق، بدءاً من الإدمان، والاعتياد لدرجة نشوء وترسخ الاقتناع بعدم إمكان العيش من دونها، وليس انتهاء بالبرمجة التي لا أعرف كيف أصفها، لكني أشعر بها تدب في العقول من حولي لتتحول إلى التزام بالعبودية للسائد، والتكيف النفسي مع هذا الاستعباد الذي يختاره المرء وكأنه يضع القيود على عقبيه، وهو في الحقيقة يضعها على عقله.

زخم هائل من الأخبار، والمعلومات، وزخم أقل من العلاقات الإنسانية العاطفية والعملية التي تبدأ افتراضية نسبة إلى عالمها، ثم تتحول إلى حالات حقيقية تستمر طالما ابتعدت عن أطياف «الافتراض» أو تنجرف نحو تشويه تقني للطبيعة البشرية تحت وطأة الرغبة الشديدة والملحة أحياناً في أن تكون على «الموضة».

الشبكات الاجتماعية توفر اليوم فرصة للانغماس في الذاتية وسرد البطولات الواهية، والأخطر الانتماء إلى مجموعات أو مجتمعات متخيلة عبر محاكاتهم فكرياً. ويبدو جلياً أن المجتمعات التي تعاني حريات أقل اجتماعياً وثقافياً تحقق معدلات حضور أعلى في هذه الشبكات قياساً بمجتمعات متحضرة لديها منجز إنساني وعلمي وحضاري أفضل، ولا يزال الفرد فيها قادراً على المواءمة بين ذاتيته واستقلاله، وبين التمتع بالحياة الحقيقية التي توفرها بيئته المتحضرة.

ككاتب استخدم هذه الشبكات في الحدود الدنيا، وانتبهت إلى أن إجازات طويلة عن بعض تطبيقاتها وقصيرة عن أخرى مفيدة جداً لاسترجاع هويتي التواصلية الفعلية على أرض الواقع، واعتمادي على حواسي وملكاتي في تحقيق الحضور الذي أنشد، ولكني من الجهة المقابلة في أواخر الأربعينات من العمر، أي أنني عشت مراحل التقنيات ودخولها بلادي أو العالم، وعشت قبلها، ويمكنني التحكم فيها، لكن هل يمكن ذلك لشاب في العشرين اليوم؟

تسطح هذه التقنيات والشبكات أحياناً التفكير لدى الإنسان، تجعله أسير موجات ترتفع وتنخفض مع اهتمامات ليس جميعها بالضرورة عميقة ومهمة، والمطلوب إيجاد وسيلة لاستثمارها بحيث تكون بالفعل أداة اتصال وربط الإنسان بعقول أفضل تكون للتعلم أكثر منها للترفيه، والأهم تكون للظهور وإظهار الإنسان على حقيقته وليس للاختباء خلف الشاشات، أو الأسماء والصور المستعارة.

لا يمكن أياً منا إعادة الزمن إلى الوراء، ونحن جميعاً لا نريد ذلك على الصعيد التقني وأصعدة شبكات الاتصال، لكن الزمن الماضي كانت فيه قدرتنا على التفكير والتأمل وبالتالي الإبداع أكثر وضوحاً منها اليوم، وعلينا ألا نفقد هذه الميزة العقلية الروحية المهمة، التأمل، والتدبر في دواخلنا بدلاً من الهروب بها إلى عوالم خارجية لا يمكنها أن تحس بها.

التقنيات تزداد، والإحساس يقل، البرامج تكبر، والقلوب تصغر على مشاعرها، وهذه التقنيات يجب أن تظل جزءاً من حياتنا، وليس كل حياتنا.

* نقلا عن "الحياة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

أخبار ذات صلة

0 تعليق