اخبار السعودية الان الوطن فوق الصراعات

0 تعليق 13 ارسل لصديق نسخة للطباعة

آخر تحديث: الأحد 23 رمضان 1438هـ - 18 يونيو 2017م KSA 05:01 - GMT 02:01

الحالة الوطنية حالة فريدة في سياقها الثقافي والمعرفي والشعوري، أي أنها الحال التي تتعالى كثيراً على أي اعتبارات أخرى يمكن أن تكون، سواء على المستوى الخاص أو على المستوى العام، وربما كانت الحالة الوطنية تنتمي إلى سياق العام أكثر من انتمائها إلى السياق الخاص، ومع ذلك تبقى هي أكثر تعاليا عن أي شيء آخر كونها المظلة الكبرى التي يندرج تحتها جميع المظلات الأخرى، أو مصالح أو سياسات أو استراتيجيات أو قرارات  أو أفكار أو غيرها، بل إن كل هذه الأشياء إنما هي تأتي تحقيقا للمتانة، أعمدة المظلة الكبرى التي تجمعها، وهي الحالة الوطنية، ولذلك كثيرا ما غابت المصالح الشخصية أو يجب أن تغيب افتراضاً وواقعاً، الغياب الذي يعني تحقيقا للمصالح العليا.

هذه الفكرة كثيرا ما يتم التركيز عليها في الكتابات التي تتحدث عن مفهوم المواطنة أو سياق مفاهيم الدولة الحديثة، من ناحية تداخل الخاص والعام، على ألا تغيب بالتأكيد الحريات الخاصة للناس ومصالحهم لصالح العام، الغياب الكلي إنما هو الغياب الذي به تتحقق المصلحة العامة للناس في الوطن، كالتنظيمات الإدارية التي تخص الجميع في رفض الطائفية مثلا، حيث إن الطائفة تبقى سياقا خاصا لا يجب أن يظهر على السياق العام الذي هو المصلحة العامة، وعلى هذا الأساس يبقى السياق الخاص متحققا كما تحقق السياق العام ولا تعارض بينهما، فالوطن للجميع كما يقال، في حين تبقى الطائفة سياقا خاصا للفرد، وهذا المثال يمكن أن تعضده أمثلة كثيرة حتى في القرارات الإدارية العامة في كافة المؤسسات الحكومية أو غيرها، وللقراء أن يتخيلوا العديد من الأمثلة في ذلك.

المفاهيم الوطنية فكرة حديثة نشأت مع مفهوم الدولة القطرية ذات الحدود المرسومة، أي الدولة التي لها كياناتها الخاصة وسيادتها الخاصة في كل بلد، ونحن في الخريطة العربية يمكن القصد منها دول الخليج ودول الشرق الأوسط الأخرى، والدولة الحديثة ذات السيادة الوطنية المرسومة الحدود يمكن لها أن تكون المظلة الكبرى التي تندرج تحتها المصالح الوطنية الأخرى التي تجمع كافة شرائح المجتمع، فالذي يجمعني في السعودية مثلا مع أبناء الجنوب _ وأنا الشمالي _ غير رابطة اللغة والدين والصداقة، هي المواطنة التي جعلت مصالحنا الوطنية واحدة، الأمر الذي جعل أبناء الشمال يقاتلون في الحد الجنوبي صفا إلى صف مع أبناء الجنوب، أو قتال أهل الجنوب

مع أهل الشمال في أزمة حرب الخليج مثلا، أو يجعل المنتمين للطائفة الشيعية مثلا يرفضون أبناء طائفتهم الذين يمارسون الأعمال الإرهابية، كما يرفض المنتمون للطائفة السنية الأعمال الإرهابية من أبنائهم.

ولعل الروح الوطنية تظهر أكثر ما تظهر في وقت الأزمات الكبرى التي تجمع الكيان الوطني الواحد وتذوب عادة معه باقي الكيانات الصغرى أو الهويات الصغرى، باعتبار أن الهوية الوطنية في الدولة الحديثة هي الرباط الأكثر «التزاما» (إذا اضطررنا إلى استخدام المصطلح الوجودي/‏ الاشتراكي/‏ الإسلاموي) لوصف الحالة الوطنية، فهذا المصطلح: «الالتزام» يمكن أن يتحول هنا إلى مصطلح وطني يعبر عن تخلي المواطن عن مصالحه الخاصة، لتحقيق المصلحة العامة بوصف ما يقوم به التزاما بوطنيته.

خلافا لهذا السياق تبرز الأيديولوجيات كمشكلة حياتية ووطنية حقيقية في تحقيق مصلحة الحزب أو الأفكار على الصالح الوطني العام، فالأفكار القومية أو الإسلامية ترفض فكرة المواطنة وتستبدلها بفكرة الوطن العربي من الخليج إلى المحيط، أو الوطن الإسلامي من الشرق والغرب، وهذه الأفكار سابقة على مفهوم الدولة الحديثة، ولا يمكن تحقيقها في هذا العصر، فالدولة القومية لم تتحقق ودخلت في متاهات طويلة وسياقات دمرت البلاد، في حين انتهت دولة الخلافة منذ حوالي مئة سنة، وقد أشار الكاتب الصديق عبدالله المطيري إلى ذلك في مقاله الأسبوع الماضي، ولم يبق في السياق الواقعي المتحقق والذي ينتج مواطنة حقيقة غير الدولة الوطنية ذات الحدود المرسومة، وكل الصراعات تكون دونها وتذوب تحت مظلتها، خاصة في وقت الأزمات، التي عادة ما تجمع الناس ولا تفرقهم أو يفترض أن يكون ذلك والدول، ولعل أكثر الدول العربية التي تحققت فيها المواطنة أكثر هي الدول الخليجية، التي خرجت من سياق مفاهيم الحزبيات الإسلامية أو الحزبيات القومية كما حصل في الدول العربية الأخرى، ولذلك تحققت معادلة التنمية والمواطنة في هذه الدول المدنية أكثر من الدول العربية الأخرى، وأي عمل يمكن أن يخل في تحقيق مواطنة الدول الخليجية وتنميتها وتحقيق سيادتها هو عمل مرفوض قطعاً خاصة من بعض التيارات التي كان مولدها خارج إطار الدول الخليجية وخارج سياقها، وعلى هذا الأساس هي غريبة عليها، وهموم المواطن الخليجي في بلاده تختلف عن الأفكار والصراعات التي تنتمي لها الحزبيات العربية أو الإسلاموية الأخرى، فالمواطن الخليجي متسق أكثر مع مفاهيمه الوطنية، وغير مشغول بتلك الصراعات التي كانت في سياقات غير السياقات الخليجية، لأن الوطن فوق الصراعات في نظره، أو هكذا أتصوره وفق السياق الذي نشأت فيه دول مجلس التعاون الخليجي.

* نقلا عن "الوطن"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

أخبار ذات صلة

0 تعليق